صديق الحسيني القنوجي البخاري

546

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأما إذا جعلناهم بمعنى صار فلا إشكال في ذلك إذ المعنى لتصيرن في ملتنا بعد أن لم تكونوا ، وفي ملتنا حال على الأول ، خبر على الثاني ، وعدى عاد بفي الظرفية تنبيها على أن الملة صارت لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم انتهى . والأولى ما قال الزجاج يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء يقال عاد إلى من فلان مكروه أي صار وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك فلا يرد ما يقال كيف يكون شعيب على ملتهم الكفرية من قبل أن يبعثه اللّه رسولا ، ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومه المتبعين له عليه في الخطاب بالعود إلى ملتهم والقرية هي مدين وبينها وبين مصر ثمانية مراحل . قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ الهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من الإخراج أو العود أي أتعيدوننا في ملتكم حال كراهتنا للعود إليها ، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها ، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعا ، والمعنى أنه اختيار له ولا تعد موافقته مكرها موافقة ولا عوده إلى ملتكم مكرها عودا . وبهذا التقرير يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا المقام حتى تسبب عن ذلك تطويل ذيول الكلام . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 89 ] قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ( 89 ) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ التي هي الشرك ، والجملة استئناف إخبار فيه معنى التعجب قاله الزمخشري كأنه قيل ما أكذبنا على اللّه إن عدنا في الكفر أو أنه جواب أو أنه جواب قسم محذوف ، والتقدير : واللّه لقد افترينا وجعله ابن عطية احتمالا بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها بالإيمان فلا يكون منا عود إليها أصلا . وَما يَكُونُ أي ما صيح لَنا ولا يستقيم ولا ينبغي أَنْ نَعُودَ فِيها بحال من الأحوال إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا في حال ووقت مشيئة اللّه عودنا فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، قال الزجاج : أي إلا بمشيئة اللّه عز وجل قال وهذا قول أهل السنة ، والمعنى أنه لا يكون منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء اللّه ذلك ، فالاستثناء منقطع وقيل إن الاستثناء هنا على جهة التسليم للّه عز وجل كما في قوله وما توفيقي إلا باللّه . وقيل هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيض الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط والغراب لا يبيض والجمل لا يلج ، فهو من باب التعليق بالمحال ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر ، ألا ترى إلى قول الخليل وَاجْنُبْنِي